كتاب الرأى

الحسد فضيحة قلب وقلة رضا عن قسمة الخالق – بقلم أحمد مدحت

بقلم أحمد مدحت – الكاتب الصحفي بجريدة أخبار اليوم 

من أكثر المغالطات شيوعًا في فهم الحسد أننا نربطه دائمًا بالنقص، ونتصور أن الحسود شخص محروم، ناقص، أو مظلوم من الدنيا، ولكن الواقع يقول شيئًا أبسط وأقسى: في ناس مش ناقصها حاجة… وبتحسد وخلاص.

عينه دايمًا على اللي في إيد غيره

عنده بيت، شغل، صحة، وربما استقرار يحلم به غيره، ومع ذلك عينه دايمًا على اللي في إيد غيره، مش لأنه محتاج، بل لأنه مش راضي، واللي مش راضي، مهما ملك، قلبه يفضل قلقان، وعينه تفضل تعبانة.

الحسد في جوهره مش رغبة في الامتلاك

الحسد في جوهره مش رغبة في الامتلاك، لكنه اعتراض داخلي، اعتراض صامت على قسمة ربنا، حتى لو ما اتقالش بصوت عالي عشان كده الحسد متعب، مرهق، ومستهلك للأعصاب، وصاحبه يعيش في مقارنة دايمة، لا بتخلص ولا بتهدى.

الحسود خارج عن الدين

والنبي صلى الله عليه وسلم وضع الأمر في نصابه بكلمات قليلة لكنها شديدة الدلالة فقال:
«لا يجتمع في جوف عبدٍ الإيمان والحسد “والمعنى هنا واضح وبسيط، مش إن الحسود خارج عن الدين، لكن إن القلب اللي يسمح للحسد يسكن فيه، الإيمان الحقيقي ما يعرفش يستقر جواه، وواحد فيهم لازم يشيل التاني، لأن الإيمان طمأنينة، والحسد قلق دائم.

العين تدخل الرجل القبر

وهنا لازم نقف عند نقطة مهمة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من إن الحسد ممكن يكون سبب في الموت فقال صلى الله عليه وسلم: “العين تدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القِدر” وهذا المعنى شائع على ألسنة الناس، فهو داء يأكل الإيمان، ويحرق الحسنات، ويتعب صاحبه قبل غيره، وربما من قسوة التجربة الإنسانية، ومن تراكم الألم، خرج التعبير الشعبي ليقول مجازًا: الحسد يودّي في داهية.

سخرية القدر أن الحسد

ومن سخرية القدر أن الحسد ربما لا يؤذي المحسود بقدر ما يستنزف الحسود نفسه، لا يؤخر نعمة غيره، ولا يسرع نعمته، لكنه يسرق راحته، ويحول حياته إلى مراقبة مستمرة لنجاحات الآخرين ولهذا قالت الحكمة القديمة ببساطة شديدة “الحاسد لا يسود”.

تنظيف القلوب

تنظيف القلوب هنا ليس رفاهية ولا عظة دينية، بل ضرورة نفسية، القلب لما يهدى، العين بتهدى، ولما الرضا يدخل، المقارنة تخرج .. الإنسان اللي راضي مش محتاج يراقب حد، ولا يقلق من نعمة حد، ولا يخاف من فرح حد.. والرضا، عكس ما يتصور، لا يمنع السعي ولا الطموح هو فقط يمنع الاحتراق الداخلي.

النهاية

وفي النهاية الدين حذّر من الحسد لأنه يفسد القلب،
والحكمة الشعبية خوّفت منه لأنه يفسد الحياة.
وبين التحذيرين، الحقيقة واحدة، الحسد لا يحتاج فقرًا، ولا ظلمًا، ولا سببًا كبيرًا.. يحتاج فقط قلبًا غير راضٍ.

تنظيف القلوب أخف من علاج العيون

ولو كان في درس بسيط نطلع به، فهو أن تنظيف القلوب أخف من علاج العيون، وأن الرضا، مهما بدا صعبًا، يظل أرحم ألف مرة من حياة تعيش في نعم غيرك.
أما “عين الحسود فيها عود”… فدي حكمة شعبية.
لكن الأصدق منها، القلب اللي يرضى… العين ما تتعبوش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى