الكنز المؤجل! .. لماذا جرينلاند؟
كتب رائد الديب _ كاتب صحفي وباحث سياسي
بالأرقام لا بالجغرافيا.. لماذا جرين لاند؟!.. جزيرة جليدية نائية، لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الآلاف، تتحول إلى مطمع اقتصادي تتنافس عليه القوى الكبرى لماذا؟!.. ولماذا تدرج الولايات المتحدة الأمريكة الآن، جرينلاند، ضمن حسابات أمنها الاقتصادي قبل العسكري؟! .. ولماذا يُعاد طرح فكرة السيطرة أو الشراء كلما احتدم الصراع على الموارد في العالم؟.. أسئلة كثيرة تجيب عنها السطور التالية من هذا المقال..
جرينلاند ليست مجرد جزيرة متجمدة
جرينلاند ليست مجرد جزيرة متجمدة، بل خزان ثروات استراتيجية غير مستغل، يقع في قلب سباق عالمي محموم على المعادن النادرة والموارد التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.. جزيرة أعاد الاقتصاد اكتشافها، بعد أن ظلت لسنوات طويلة خارج الحسابات الاقتصادية؛ بسبب مناخها القاسي وصعوبة استخراج مواردها.. لكن، التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، تغير كل شيء، وما كان عبئا جغرافيا أصبح ميزة، وما كان مجمدا تحت جليد جرينلاند أصبح كنزا مؤجلا.
جرينلاند واحدة من أغنى مناطق العالم غير المستغلة
واحدة من أغنى مناطق العالم غير المستغلة، موارد طبيعية وعشرات من المعادن الاستراتيجية النادرة التي تدخل في صلب الصناعات الحديثة، وسوق عالمي متعطش، فجرينلاند تحتوي على ما لا يقل عن 38 مادة خام استراتيجية، من بينها معادن الأرض النادرة؛ من “ليثيوم، وجرافيت، وتيتانيوم، ونيوبيوم، وتنتالوم، ويورانيوم، أضف إليها الذهب ومعادن مجموعات أخرى من المعادن النادرة”.. لكن الأهمية هنا لا تكمن في وجود هذه المعادن فقط، بل في توقيت الحاجة إليها؛ فالسوق العالمي يشهد نموا متسارعا في الطلب على المعادن النادرة، على سبيل المثال الليثيوم الذي قد يتضاعف الطلب عليه أكثر من 6 مرات بحلول عام 2040، مدفوعًا بالتحول إلى السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.. الأمر ذاته ينطبق على باقي المعادن النادرة التي تدخل في صناعة المحركات الكهربائية والمغناطيسات فائقة القوة.. فجرينلاند، بهذا المعنى، تمثل احتياطيا استراتيجيا طويل الأمد، قادرا على تأمين جزء كبير جدا من احتياجات الاقتصاد العالمي، وتقليل الاعتماد على مصادر غير مستقرة سياسيا.. ليستدعي كل ذلك الولايات المتحدة أن تدخل من بوابة الاقتصاد لا السياسة، لكسر الهيمنة الصينية، خاصة أن بكين تسيطر حاليًا على نحو 60% من إنتاج المعادن النادرة عالميا، وتتحكم بما يزيد على 80% من عمليات المعالجة والتكرير، ما يمنحها نفوذا هائلا على سلاسل الإمداد العالمية؛ وتعتبر أمريكا هذا الاحتكار _ غير المعلن، تهديدا مباشرا للاقتصاد الأمريكي والأوروبي، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
واشنطن ترى في جرينلاند فرصة تاريخية
ومن هنا، ترى واشنطن في جرينلاند فرصة تاريخية لفك الارتباط التدريجي مع الهيمنة الصينية، وبناء سلاسل توريد آمنة سياسيا، حتى وإن كانت أعلى تكلفة في المدى القصير.. فهي تعلم أن اقتصاد المستقبل تحت الجليد في جرينلاند.. ومع ذوبان الجليد، تتزايد الجدوى الاقتصادية لاستخراج هذه الموارد، وتنخفض تكاليف النقل، وتفتح ممرات بحرية جديدة تختصر زمن التجارة بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.. تحولات تعني أن جرينلاند قد تتحول من اقتصاد محدود يعتمد على الدعم الدنماركي، إلى لاعب اقتصادي مستقل نسبيا في سوق الموارد العالمية.
بين الاستثمار والسيطرة
بين الاستثمار والسيطرة.. ترغب الولايات المتحدة في السيطرة الاقتصادية على جرينلاند؛ استثمارات ضخمة، عقود تعدين طويلة الأجل، بنية تحتية، ونفوذ مباشر لاستغلال الموارد.. وفي المقابل، تدرك الدنمارك أن الجزيرة تمثل ورقة اقتصادية استراتيجية لا تقدر بثمن، خاصة في عالم يتجه إلى إعادة رسم خريطة الثروات، وأي تفريط في جرينلاند اليوم، سيكون بالتأكيد خطأ استراتيجي كبير مستقبلا.. فجرينلاند بالأرقام لا بالجغرافيا فقط.. ليست مجرد أرض جليدية، بل بنك ثروات مفتوح، ومن يضع يده عليه، يضمن موقعا متقدما في سباق القرن الحادي والعشرين.. سباق الاقتصاد قبل السياسة، والثروة قبل السلاح.

