طهران وواشنطن و”ساعة صفر وشيكة”- بقلم رائد الديب
كتب رائد الديب _ كاتب صحفي وباحث سياسي
اشتباك إرادات.. ما يجري اليوم، بين طهران وواشنطن، ليس طريقا حتميا إلى حرب شاملة، ولا مقدمة لسلام قريب.. ما يجري اليوم اشتباك تستخدم فيه الولايات المتحدة الأمريكية حاملات طائراتها كأوراق تفاوض، وتستخدم فيه طهران صواريخها كرسائل سياسية، ويستخدم كلاهما الزمن كسلاح قاتل.
الولايات المتحدة تريد اتفاق المنتصر
فالولايات المتحدة، تريد اتفاق المنتصر، دون أن تدفع ثمن الحرب.. وإيران تريد اعتراف القوة دون أن تقدم تنازلا وجوديا.. و”ساعة صفر وشيكة”، لا أحد يعرف من سيضغط الزر أولا، ولا كم ثانية ستكلف المنطقة بعدها الكثير.
لم يكن تمركز “أبراهام لينكولن” في مياه الشرق الأوسط حدثا عسكريا عابرا، ولا استعراض قوة تقليدي في سجل الرسائل الأمريكية.. فنحن أمام منصة حرب متكاملة تتحرك حين تنتقل واشنطن من سياسة التلويح إلى سياسة الاستعداد للضغط الأقصى، أو الانفجار.. فوصول حاملة الطائرات المدعومة بمدمرات وقوات وجناح جوي هجومي، لا يعكس فقط رفع مستوى الجاهزية، بل يكشف عن تحول نوعي في إدارة الصراع مع إيران؛ من إدارة التهديد إلى إدارة الزمن.. وهنا لا تقاس القرارات بالأيام ولا حتى بالساعات، بل بالدقائق.. وربما بالثواني؛ هذه الحرب لو اندعلت لن تُحسب بالقوة بل بالزمن!
طهران تمتلك القدرة على رصد
وخلال المتابعة الميدانية، خلال الأيام الماضية، فطهران تمتلك القدرة على رصد، كل التحركات الأمريكية في المحيط الهندي قرابة مياهها الإقليمية.. وأشارت تحليلات غربية إلى قدرة إيران على رصد أي هجوم جوي واسع خلال 10 إلى 20 دقيقة، وهذا لا يعد إنذارا مبكرا، بل نافذة رد حاسم.. خاصة أن طهران لا تبني استراتيجيتها على الضربة الاستباقية، بل على انتظار الضربة الأولى، لترد فورت وبأقصى طاقة ممكنة، بما يحقق لها معادلة مزدوجة؛ من شرعية الدفاع، وعنصر المفاجأة الزمنية؛ فالضربة الأمريكية الإيرانية _ لن تبدأ بتدرج، ولا بسلسلة إنذارات، بل بصدمة متزامنة جوا وبحرا، تربك مسرح العمليات منذ اللحظة الأولى؛ فالمنطق الإيراني، كما تعكسه التحليلات العسكرية، لا يقوم على إطالة أمد المواجهة أو استنزاف بطيء، بل على إحداث صدمة استراتيجية مبكرة تشوش الحسابات الأمريكية والإسرائيلية معا.. وهذا ما تخشاه واشنطن حتى هذه اللحظة، والذي يجعلها متأخرة رغم اتخاذها لقرار الحرب.
من فوق سطح حاملة الطائرات الأمريكية
وهنا نعود إلى البحر، من فوق سطح حاملة الطائرات الأمريكية، التي تدار من فوقها المفاوضات، لا عبر الطاولات الدبلوماسية.. فرغم التصعيد العسكري، والتصريحات الأمريكية، لكن هناك خط مفتوح عبر “قنوات تواصل” ورغبة أمريية في اتفاق جديد.. فواشنطن تطرح شروطا تعلم مسبقا أنها غير قابلة للقبول الإيراني؛ “تفكيك نووي، قيود صاروخية، وتنازلات سيادية”، ضغط بلا حرب من فوق “أبراهام لينكولن”.. لكن لماذا لا تنفذ واشنطن ضربتها بعد عناء السفر ونقل كل هذا الكم من الأسلحة إلى المياه الإقليمية الإيرانية؟!، هو التخوف من الرد الإيراني.
قلق أمريكي
قلق أمريكي، كما تعكسه التصريحات غير المباشرة، لا يرتبط ببدء الضربة، بل بما بعدها.. فإيران أعلنت بوضوح، عبر متحدثيها الرسميين خلال الأيام الأخيرة، أن إسرائيل والقواعد الأمريكية ضمن بنك الأهداف، وأن أي هجوم لن يقابل برد محدود أو محسوب.. تصعيد اللفظي، متزامن مع رفع الجاهزية العسكرية، لا يهدف فقط للردع، بل لتثبيت معادلة صارمة؛ فأي خطأ في الحسابات؛ سيشعل الإقليم بالكامل.. لهذا، تميل واشنطن إلى سيناريوهات تبدو أقل كلفة في ظاهرها، مثل الحصار البحري والضغط الاقتصادي، باعتبارها أدوات إنهاك دون مواجهة مباشرة، والتي باتت واشنطن تخشاها الآن.
الخيار ليس آمنا
لكن حتى هذا الخيار ليس آمنا، فطهران قد تعتبره إعلان حرب مؤجل، وترد بوسائل غير تقليدية في خليج عمان وبحر العرب، بما يعيد خلط الأوراق ويفتح مسارات اشتباك غير متوقعة.. ولا يحمد عقباها في الشرق الأوسط والعالم بأكمله.



