مركز ترو للدراسات يجمع الخبراء من أجل استراتيجية استباقية تنتقل من إدارة المخاطر إلى صناعة النفوذ

مطالبات باستراتيجية استباقية تنتقل من إدارة المخاطر إلى صناعة النفوذ
خبراء مشاركون في ندوة “التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري ” لمركز “ترو” للدراسات
يؤكدون على أهمية إنشاء مجلس للشؤون الأفريقية أو تعيين مبعوث خاص لتعزيز الدور المصري
أماني الطويل:
تعظيم الدور المصري في أفريقيا يتطلب استراتيجية استباقية تنتقل من إدارة المخاطر إلى صناعة النفوذ.
د. أيمن السيد عبدالوهاب:
تحولات القرن الأفريقي ليست أزمات محلية بل نتيجة مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها قواعد الأمن الجماعي والقانون الدولي لصالح منطق القوة.
الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي باتا عنصرين حاسمين في إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.
د. أميرة عبد الحليم:
مطالبات باستراتيجية استباقية تنتقل من إدارة المخاطر إلى صناعة النفوذ
خبراء مشاركون في ندوة “التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري ” لمركز “ترو” للدراسات يؤكدون على أهمية إنشاء مجلس للشؤون الأفريقية أو تعيين مبعوث خاص لتعزيز الدور المصري
أماني الطويل:
تعظيم الدور المصري في أفريقيا يتطلب استراتيجية استباقية تنتقل من إدارة المخاطر إلى صناعة النفوذ.
د. أيمن السيد عبدالوهاب:
تحولات القرن الأفريقي ليست أزمات محلية بل نتيجة مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها قواعد الأمن الجماعي والقانون الدولي لصالح منطق القوة.
الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي باتا عنصرين حاسمين في إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي.
د. أميرة عبد الحليم:
السودان دخل مرحلة الحرب الأهلية الشاملة بعد فشل الحسم العسكري وتفكك بنية الدولة.
تعدد الحكومات والميليشيات في السودان يفتح الباب لإعادة رسم خريطة القرن الإفريقي ويهدد الأمن القومي المصري.
الأزمة السودانية كشفت عجز النظام الدولي والإقليمي عن احتواء الصراعات الممتدة.
د. نادية عبد الفتاح:
الصراع بات المفهوم الحاكم للنظام الدولي والتنافس على الموانئ والموارد جوهر ما يجري في الصومال وإثيوبيا.
الصومال لم يعد «دولة فاشلة» بل «دولة هشة» تُستخدم كأداة في توازنات النفوذ الإقليمي والدولي.
رمضان قرني:
القرن الأفريقي تحوّل إلى ساحة رئيسية للتنافس الدولي بسبب الممرات البحرية والوجود العسكري والموارد الاستراتيجية.
الدعوة إلى تعيين مبعوث خاص إلى منطقة القرن الأفريقي لتعزيز المصالح المصرية.
د. أيمن شبانة:
التحركات الإسرائيلية في أرض الصومال تمثل أخطر تطورات التنافس الإقليمي وتهدف لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي.
د. رأفت محمود:
القرن الإفريقي ساحة مفتوحة للتنافس الدولي بسبب باب المندب والبحر الأحمر وأي اضطراب فيه يهدد التجارة العالمية.
عدم الاستقرار السياسي والأمني هو السيناريو الأرجح لمستقبل القرن الإفريقي في ظل الطموحات الإثيوبية والإسرائيلية وتفاقم الصراعات الداخلية.
د. أحمد القاضي:
حماية المصالح المصرية في القرن الإفريقي تتطلب الانتقال من تشخيص التحديات إلى سياسات عملية تشمل الأمن والتنمية ومواجهة التغلغل الإسرائيلي.
د. خالد فهمي :
منطقة القرن الأفريقى تعتبر العمق الإستراتيجى للأمن القومى المصرى، وهى تعد المُساهم الرئيسى فى حماية وتأمين الملاحة البحرية المصرية وتأمين المدخل الجنوبى لقناة السويس.
القرن الأفريقى يشكل عاملا قوياً فى تحديد الهوية المصرية التى تعتبر الإمتداد الشمالى لدول القرن الأفريقى .
أكد خبراء مشاركون في ندوة “التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري في ضوء التنافس الدولي والإقليمي”، التي عقدها مركز “ترو” للدراسات والتدريب في فندق تريومف بمدينة نصر، بحضور لفيف كبير من الدبلوماسيين والخبراء والمختصين والمهتمين بالشأن الأفريقي، على أهمية إنشاء مجلس مصري للشؤون الأفريقية يضم ممثلين من وزارات مختلفة، أو تبنّي مقاربة دبلوماسية أكثر تخصصًا عبر تعيين مبعوث خاص مصري لمنطقة القرن الأفريقي، وذلك لأهمية الإقليم، باعتبار مصر دولة محورية فيه، بما يحقق هدفين رئيسيين؛ أولهما إبراز الأهمية الاستراتيجية التي توليها القاهرة لدول القرن الأفريقي، وثانيهما أن يكون حلقة وصل بين مؤسسات الدولة المصرية، ومؤسسات الاتحاد الأفريقي، والقوى الدولية الفاعلة في الإقليم. لافتين إلى أن المبعوث يمكن أن يضطلع بدور «المايسترو» المنسق للسياسة المصرية في منطقة تتسم بتعقيدات أمنية وسياسية واجتماعية وقبلية واسعة، بما يسهم في تعزيز فاعلية واتساق الدور المصري.
وشدد المشاركون في ندوة مركز “ترو” على ضرورة دعم سردية تقوية الدولة الوطنية وبيان تكلفتها للمصالح الدولية، حيث إن مصر تلعب دوراً فاعلاً في مجالات التنمية بالقارة الأفريقية، لكن هذا الدور لا يحظى بالتسويق الكافي. لافتين إلى أهمية القوة الناعمة والذكية في إبراز هذا الدور، مع التأكيد على الحاجة إلى رؤية سياسية واضحة تدعم القوة المصرية الناعمة والذكية لتسويق الدور المصري بشكل فعّال من خلال بناء شبكات تعاون مع المجتمعات المحلية بدول القارة الأفريقية عموما ومنطقة القرن الأفريقي خاصة. وأضافوا أن هناك نقاط ارتكاز استراتيجية لمصر في إفريقيا يمكن استثمارها لدعم المصالح القومية.
كما شددوا على أن البعد الإقليمي، وبخاصة العلاقة المصرية-السعودية، يمثل أولوية لا غنى عنها، منوهين بأهمية تعزيز العلاقات المصرية السعودية بما يخدم مصالح البلدين ويحقق الأمن والاستقرار للمنطقة وخاصة في الملفات الإقليمية المتشابكة.
الأهمية الجيواستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقى..
أكد عميد دكتور/ خالد فهمي، مقرر عام المؤتمر، في كلمته الافتتاحية، أن منطقة القرن الأفريقى شكلت محور إهتمام العديد من القوى الإقليمية والدولية، لإعتبارات جيوبولوتيكية وإستراتيجية، راجعة إلى كونها معبر وشريان رئيسى للتجارة الدولية؛ نتيجة إمتداد معابرها المائية من باب المندب وصولاً للبحر الأحمر، كما تعتبر ممراً للتحركات الأمنية لبعض القوى الكبرى المتجهة لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربى، كما حظيت المنطقة بإهتمام مجموعة من القوى الدولية كالولايات المتحدة وروسيا والصين وأخرى إقليمية مثل تركيا ،و إيران، وإسرائيل ، والسعودية ، والإمارات لما تمثله من عمق إستراتيجى ومنبع ثروات ضخم يجعلها أحد أبرز المناطق أهمية على مستوى العالم
وأوضح “فهمي” أن المنطقة تتمتع بميزه تنافسية تؤكد الفرضية التى قامت عليها الندوة، وهذا ما يؤكده المشهد العام فى العقود الأخيرة، وهو مساهمة التحولات الجيواستراتيجية بالعالم فى ترقية منطقة القرن الأفريقى كساحة لإعادة ترتيب ميزان القوة بين هذه القوى؛ لتعزيز النفوذ وتأكيد التواجد بالآليات الإقتصادية والعسكرية .
ونوه الدكتور خالد فهمي بأن منطقة القرن الأفريقى تعتبر العمق الإستراتيجى للأمن القومى المصرى، وهى تعد المُساهم الرئيسى فى حماية وتأمين الملاحة البحرية المصرية وتأمين المدخل الجنوبى لقناة السويس، كما يشكل القرن الأفريقى عاملا قوياً فى تحديد الهوية المصرية التى تعتبر الإمتداد الشمالى لدول القرن الأفريقى .
التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي
عُقدت الجلسة الأولي بعنوان» التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن الإقليمي ، برئاسة الأستاذ الدكتور أيمن عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وبمشاركة كل من الدكتورة أميرة عبد الحليم، خبيرة الشئون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والدكتورة نادية عبد الفتاح، مدرس العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة.
أشاد “عبد الوهاب” بالدور البحثي الذي يقوم به مركز «ترو» للدراسات، ومعتبرًا أن اختيار موضوع الندوة وعنوانها يعكس بدقة طبيعة التحديات الراهنة. موضحا أن العالم لا يمر بـ«لحظة تحديات» عابرة، بل يعيش مرحلة ممتدة من التحديات الكبرى، ما يستدعي تعميق التحليل والتشخيص وبلورة رؤى استراتيجية قادرة على التعامل مع تعقيدات المشهد الجيواستراتيجي. وأشار إلى أن عنوان الندوة يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي: التحولات الجيواستراتيجية، ومنطقة القرن الأفريقي، وانعكاسات هذه التحولات على الأمن القومي المصري.
وشدد على ضرورة عدم الانشغال بالتفاصيل الجزئية للصراعات الجارية في المنطقة، سواء في السودان أو البحر الأحمر أو غيرها، دون النظر إلى الإطار الأشمل المرتبط بالتحولات في النظام الدولي، مؤكدًا أن ما يحدث في القرن الأفريقي هو انعكاس مباشر لتغيرات أعمق في موازين القوى العالمية.
وأوضح “عبد الوهاب” أن النظام الدولي يشهد تحولًا جذريًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لافتًا إلى تراجع مفاهيم الأمن الجماعي والقانون الدولي ومؤسسات العدالة الدولية، وهو ما يعكس تغيرًا في الفلسفة الحاكمة للعلاقات الدولية، وصعود منطق القوة وإعادة هندسة النفوذ.
وأكد أن ثورة الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي باتا عنصرين حاسمين في إعادة تشكيل القوة العالمية، في ظل تراجع نسبي للنموذج الغربي التقليدي، مقابل صعود نماذج حضارية بديلة، وعلى رأسها النموذج الصيني، بما يؤسس لمنظور فلسفي واستراتيجي جديد يحكم العالم في المرحلة المقبلة. لافتا إلى أن جوهر الصراع العالمي يتمحور حول السيطرة على الموارد النادرة المرتبطة بالثورتين التكنولوجيتين الرابعة والخامسة، وإلى أن أنماط الصراع الحالية لم تعد تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل حروب النفوذ وحروب الوكالة ورفع تكلفة الصراع على الخصوم.
وأشار “عبد الوهاب” إلى أن العالم يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ«مجتمع المخاطر العالمي»، حيث تتزايد حدة الصراعات وخطورتها على المجتمعات، مؤكدًا أن إدارة الصراعات باتت تحل محل فكرة إنهائها، من خلال هدن مؤقتة أو توافقات مرحلية بين القوى المتنافسة. واختتم بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستغلب عليها الطبيعة الصراعية، ما يفرض ضرورة التركيز على تقليل تكلفة الصراعات، تمهيدًا لإمكانية بناء توافقات مستقبلية تحقق قدرًا من الاستقرار والأمن الاجتماعي.
تحولات القرن الأفريقي : (حالة السودان)
استهلّت الدكتورة أميرة عبد الحليم ورقتها بعنوان ” التحولات الجيوسياسية في القرن الإفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري (حالة السودان)”، بطرح إطارٍ تحليلي لفهم التحولات الجيوسياسية التي يشهدها السودان، وانعكاساتها المباشرة على الأمن القومي المصري. مشيرة إلى أنه منذ اندلاع الحرب في السودان، كان الاعتقاد السائد – بل وغير المتصور عكسه – أن الصراع لن يستمر طويلًا، وأنه سيُحسم خلال بضعة أشهر. غير أن تطورات الواقع أثبتت امتداد الحرب لما يقرب من ثلاث سنوات، وهو ما خلّف تأثيرات عميقة على دول الجوار، خاصة أن السودان كان يُنظر إليه بوصفه نموذجًا مصغرًا للقارة الإفريقية، بما يحمله من تنوع قبلي، وصراعات على الموارد والسلطة.
وأوضحت أن استمرار الصراع بهذا الشكل جعل منه اختبارًا حقيقيًا للنظام الدولي، واختبارًا موازياً للنظام الإقليمي العربي – إن كان موجودًا بالأساس. وفي هذا السياق، طرحت تساؤلًا حول مدى قدرة التقارب المصري–السعودي في الموقف من الأزمة السودانية على بلورة رؤية عربية مشتركة تسهم في تسوية الصراع.
كما اعتبرت أن الأزمة شكّلت اختبارًا للنظام العالمي، إذ كان من المتصور أن يؤدي اندلاع الحرب في السودان، بعد فترة رئاسة ترامب الأولى، إلى عودة أمريكية فاعلة إلى القارة الإفريقية. إلا أن تفاعلات النظام الدولي، على حد وصفها، لم تفرز مسارات إيجابية أو فعالة لمعالجة الأزمة السودانية.
وأشارت عبدالحليم إلى أن التحولات التي شهدها السودان خلال العامين ونصف الماضيين – وهي جوهر الورقة – ألقت بظلالها الثقيلة على الأمن القومي المصري. ورغم أن مصر كانت الدولة الأكثر انخراطًا في تقديم المبادرات ومحاولات التسوية، فإن التساؤل الأساسي يظل متعلقًا بطبيعة التحولات الميدانية والسياسية التي فرضت نفسها على الأرض.
على المستوى العسكري، أوضحت أن حالة الكرّ والفرّ شكّلت السمة الغالبة للصراع؛ فلم يتمكن أي من طرفيه من الحسم الكامل، لا قوات الدعم السريع ولا الجيش السوداني، في ظل وجود دعم خارجي للطرفين وفقًا لتقديرات متعددة. وحتى منتصف عام 2024، بدى أن الجيش السوداني يحقق تقدمًا نسبيًا، قبل أن تعاود قوات الدعم السريع الاقتراب من مناطق استراتيجية، خاصة الفاشر والمناطق القريبة من الحدود، بما تحمله من أهمية حاسمة في معادلة السيطرة على السودان.
وبيّنت الباحثة أن الصراع شهد عددًا من التحولات الجوهرية، أبرزها انتقاله من صراع على السلطة إلى حرب أهلية مكتملة الأركان، مع دخول الحركات المسلحة وبعض المرتزقة الأجانب، حيث أشارت تقارير دولية إلى مشاركة مقاتلين من كولومبيا إلى جانب قوات الدعم السريع، وهو ما زاد من تعقيد المشهد، كما برزت مسألة السيطرة على الأرض واصطفاف القبائل والقوى المحلية، بما يعكس تحول الصراع إلى مواجهة أهلية على المستوى الميداني.
أما على المستوى السياسي، فقد وصلت الدولة السودانية بحسب عبدالحليم إلى حالة من التفكك؛ إذ أصبحت عناصر الدولة من إقليم وشعب وسلطة محل انقسام واضح. منوهة بأن إعلان قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية في أبريل 2025، إلى جانب إعلان دستور انتقالي، ورغم غياب الاعتراف الدولي والإقليمي بهذه الحكومة، فإنها قائمة فعليًا وتحظى بدعم غير مباشر من بعض دول الجوار مثل كينيا وتشاد.
وأضافت أن المشهد السياسي بات يشهد تعددًا في التحالفات، مع غياب كتلة سياسية واضحة يمكنها تمثيل السودان أو التحدث باسمه مستقبلًا، وهو ما يثير إشكاليات حقيقية بشأن أي تسوية سياسية محتملة بعد انتهاء الصراع.
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، لفتت عبدالحليم إلى “تضارب المصالح بشكل حاد، حتى داخل الأطر التنسيقية نفسها. ففي مؤتمر لندن 2025، طُرحت دعوات لوقف إطلاق النار ونزع سلاح قوات الدعم السريع، في مقابل موقف إماراتي رافض لهذا الطرح، بما يعكس حجم التباين في الرؤى والمصالح الإقليمية”، أما اقتصاديًا، فقد تحولت الموارد إلى عنصر محوري في استمرار الصراع، خاصة مع الحديث عن سيطرة الجيش السوداني على ودائع الذهب لتمويل العمليات العسكرية، إلى جانب دخول أطراف دولية على خط الأزمة من بوابة السيطرة على الموارد الطبيعية، وهو ما عزّز من إطالة أمد النزاع”.
وعلى المستوى الإنساني، أكدت أن الانتهاكات الجسيمة أصبحت جزءًا مركزيًا من معادلة الصراع. فبعد أن كان الخطاب الأولي لكلا الطرفين يدور حول حماية المدنيين، شهد الواقع استخدام الانتهاكات كأداة للترويع والسيطرة. مشيرة إلى أن ممارسات قوات الدعم السريع، خاصة من حيث الأثر النفسي وترويع السكان، يمكن أن تندرج ضمن معايير تصنيف الإرهاب، باعتبار أن العامل النفسي يمثل أحد أركانه الأساسية.
وانتقلت الورقة بعد ذلك إلى تداعيات هذه التحولات على الأمن القومي المصري، موضحة أن الأزمة تفرض تحديات مباشرة على حدود مصر مع دولة ذات أهمية استراتيجية كبرى. كما تناولت ملف اللاجئين السودانيين، وما يفرضه من ضغوط على الموارد والخدمات، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالأمن المجتمعي. لافتة كذلك إلى احتمالات إعادة رسم خريطة القرن الإفريقي ككل، وما يحمله ذلك من انعكاسات خطيرة على الأمن المصري.
وأكدت أن هذه التداعيات تستوجب ردود فعل مصرية واضحة، سواء عبر دعم مسارات التسوية السياسية، أو من خلال الانخراط مع النخبة السودانية لرسم ملامح مستقبل ما بعد الحرب، خاصة في ظل تراجع فرص بقاء بعض القوى السياسية في المرحلة المقبلة.
وفي ختام الورقة، تطرقت إلى إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤخرًا، خلال زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني، تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، بما يحمله ذلك من دلالات على استعداد مصر لاستخدام أدوات ردع حاسمة في مواجهة أي محاولات لتفتيت الدولة السودانية أو إعلان كيانات مستقلة داخلها، مع التأكيد على دعم مؤسسات الدولة السودانية، وعلى رأسها الجيش السوداني، والحفاظ على وحدة السودان وسلاة أراضيه.
دراسة حالة الصومال وإثيوبيا
في الجلسة ذاتها أوضحت الدكتورة نادية عبد الفتاح في كلمتها التي حملت عنوان “التحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري من خلال دراسة حالة للصومال وإثيوبيا”، أن تحليل ما يجري في الصومال وإثيوبيا وتأثيراته على مصر يُعد مهمة شاقة، إلا أنه يظل ضروريًا في إطار فهم أوسع للتحديات التي يشهدها المحيط الإقليمي، مؤكدة أن «الصراع» أصبح المفهوم الحاكم لمعظم الدراسات والتحليلات المتعلقة بتطورات النظام الدولي الراهن.
وتطرقت إلى أن جوهر هذا الصراع ينبع من عاملين رئيسيين، أولهما التنافس على السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، وثانيهما السعي للهيمنة على الموارد الاستراتيجية والنادرة، موضحة أن الصراعات تتحرك في سلاسل متغيرة وفقًا للمعطيات القائمة في كل مرحلة. وشددت على أن ما يحدث في الصومال وإثيوبيا لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الإطار العام.
وفيما يتعلق بالصومال، أوضحت أن ما تشهده البلاد يعكس تصاعد ما وصفته بـ«السيناريو التفكيكي»، الذي بات يُستخدم في مناطق متعددة من العالم، معتبرة أن التعامل مع دول هشة أو مفككة أصبح أسهل للقوى الدولية من التعامل مع دول مركزية موحدة، انطلاقًا من منطق المصالح وليس الاعتبارات الإنسانية.
وأكدت أن المقاربة الدولية تجاه الصومال لم تعد تقوم على اعتباره «دولة فاشلة»، بل «دولة هشة» يمكن توظيفها كمتغير داخل معادلات التوازن الإقليمي والدولي، لافتة إلى أن الصومال لم يعد عبئًا على النظام الدولي، بل أداة ضمن لعبة التوازنات، وهو ما يفسر إعادة تشكيل خريطة النفوذ داخله، وآخرها مسألة الاعتراف الإسرائيلي بـ أرض الصومال.
وأشادت بضرورة رصد إعادة ترتيب أدوار القوى الإقليمية والدولية داخل الصومال، مثل الإمارات وتركيا ودول الخليج وإثيوبيا، مشيرة إلى أن الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن أصبح محورًا أساسيًا لإعادة صياغة المصالح الإقليمية والدولية.
أما على صعيد إثيوبيا، فأوضحت أن الدولة تسعى لتقديم نفسها كفاعل إقليمي محوري، مع تجاهل التناقضات الداخلية والصراعات بين المركز والأقاليم منوهة بأن أديس أبابا تصدر للعالم صورتين متوازيتين: الأولى تتعلق بإدارة صراعات المنطقة عبر حروب الوكالة، والثانية تركز على خطاب التنمية والمشروعات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها السد الإثيوبي، باعتباره مشروعًا تنمويًا.
وأكدت أن الاستراتيجيات الإثيوبية للأمن القومي والسياسة الخارجية تتجنب الحديث عن الأزمات، وتركز دائمًا على «مشروعات جديدة» و«خطط مستقبلية»، في محاولة مستمرة لإعادة إنتاج صورتها الدولية.
وشددت على أنه لا توجد آفاق حقيقية لتنسيق استراتيجي بين مصر وإثيوبيا، نظرًا لتعارض الأدوار الإقليمية وتناقض المصالح بشكل جوهري، مبينة أن هذا الواقع يفرض على مصر تبني سياسات مرحلية ومتوسطة الأجل، تستند إلى قراءة واقعية للإمكانات والأدوات المتاحة.
ولفتت إلى أن تولي الصومال رئاسة مجلس الأمن الدولي عام 2026 يمثل متغيرًا مهمًا يجب استثماره، مشيدة بمستوى التعاون العسكري والأمني القائم بين مصر والصومال، مع الإشارة إلى وجود تحديات في التواصل مع بعض حكومات الولايات الصومالية.
واختتمت “عبد الفتاح” بالتأكيد على أن التعاون الدولي مع الكيانات المفككة بات أمرًا واقعًا، حيث أصبح التعامل مع الميليشيات والقواعد العسكرية أسهل من التعامل مع دول مركزية، معتبرة أن النظام الدولي يعيد صياغة قواعد الاعتراف بالفاعلين، مستشهدة بنماذج التقسيم في السودان وجنوب السودان.
التنافس الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي
عُقدت الجلسة الثانية بعنوان “التنافس الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي” ضمن ندوة “التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي”، وترأسها الأستاذ الدكتور عدلي سعداوي عميد معهد البحوث والدراسات الاستراتيجية لدول حوض النيل سابقا، الذي استعرض في كلمته الإطار العام للجلسة ومحاورها الرئيسية. وأوضح أن الجلسة تناقش أبعاد التنافس على إقليم القرن الأفريقي، سواء على المستوى الدولي، من خلال أدوار قوى كبرى مثل: بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا والصين، أو على المستوى الإقليمي، عبر تفاعلات قوى إقليمية فاعلة تشمل: الإمارات والسعودية وتركيا وإيران. وأشار إلى أن جانبًا مهمًا من الصراعات والخلافات القائمة داخل الإقليم يرتبط بطبيعة هذا الوجود الدولي والإقليمي، وتعارض المصالح الناتج عنه.
وتناول الدكتور رمضان قرني الخبير بالهيئة العامة للاستعلامات في ورقته البحثية “التنافس الدولي على منطقة القرن الأفريقي”، بينما ركز الدكتور أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا في ورقته البحثية على “تحليل أبعاد التنافس الإقليمي وتداعياته على مستقبل الإقليم”.
واستعرض قرني الأهمية الاستراتيجية الخاصة التي تحتلها منطقة القرن الأفريقي في منظومة التفاعلات الأفريقية والدولية، مؤكدًا أن الإقليم بات يمثل إحدى الساحات الرئيسية لانخراط القوى الدولية الفاعلة في القارة، نتيجة موقعه الجغرافي الحيوي، وثرائه بالموارد الطبيعية، إلى جانب أهميته الجيوسياسية المرتبطة بالتنافس على الممرات البحرية، والوجود العسكري، والموارد الاقتصادية.
وأشار إلى أن حرب تيجراي خلال عامي 2021 و2022 شكّلت نقطة تحول مفصلية في طبيعة الانخراط الدولي بالمنطقة، حيث دفعت عدداً من القوى الدولية إلى تبني نهج أكثر تنظيماً تجاه القرن الأفريقي، تُرجم في استحداث منصب “المبعوث الخاص للقرن الأفريقي” ، والذي بادرت به الولايات المتحدة، وتبعتها فيه قوى دولية أخرى، من بينها الصين والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفرنسا، إلى جانب الأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى.
كما تناول تنوع سياسات القوى الدولية تجاه الإقليم، والتي تتراوح بين الأدوات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والتنموية والعسكرية، مشيراً إلى أن القاسم المشترك بينها يتمثل في تعدد آليات الانخراط والتفاعل، بما يعكس تصاعد أهمية القرن الأفريقي في حسابات القوى الكبرى.
وفي إطار تحليله لانعكاسات هذا التنافس الدولي على الأمن القومي المصري، لفت “قرني” إلى تراجع الاهتمام الدولي بقضية سد النهضة خلال الفترة من 2021 إلى 2024 لصالح التركيز على أزمات إقليمية أخرى، مقابل غياب البعد التصادمي بين توجهات القوى الدولية والسياسة المصرية تجاه القرن ا



