رائد الديب يكتب.. “غرب بلا أنياب”!
رائد الديب _ الكاتب الصحفي والباحث السياسي
حين تنهار أوروبا دون حروب.. نظام غربي يسقط بصمت؛ دون صراعات ولا حروب كبرى، ولا انقلاب عسكري، نظام يتآكل ببطء بلا ضجيج، فاليوم، لم يعد السؤال: “هل الغرب في أزمة؟!”، بل: “هل ما زال هناك غرب أصلا؟!”..
عالم تحكمه المصالح
وفي عالم تحكمه المصالح، وتتراجع فيه القيم والإنسانية أمام منطق القوة، تدخل البشرية مرحلة جديدة؛ لم تعد أوروبا مركزا فيها، كما لم تعد الولايات المتحدة ضمانا كما كانت تمني بعض الدول النفس بذلك، ولم يعد القانون الدولي أيضا مرجعية لحل الخلافات.. ووسط كل ما يدور من أحداث متسارعة حول العالم، يتبادر إلى الأذهان سؤال محوري؛ هل الاتحاد الأوروبي قادر على مجاراة قوى كبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين، وروسيا؟!، أم أنه بات ضعيفا وفقد هويته، وفقد قوته المستقلة ليصبح مجرد تابع ناعم، أو شاهد عيان على إعادة تشكيل العالم؟.. أم أنه كان هكذا من البداية؟!..
ضربات متتالية للاتحاد الأوروبي
ضربات متتالية للاتحاد الأوروبي، التحول الأخطر على الإطلاق، لحظة انكشاف لرئيس أكبر حليف، أو ما كان أكبر حليف في السابق _ كما كانت أوروبا تمني النفس، دونالد ترامب ولحظة الانكشاف، والتهديد بالسيطرة على جرينلاند – الإقليم التابع لدولة في الناتو – حتى بالقوة، ولم يكن ذلك زلة لسان، بل تعبيرا صريحا عن فلسفة سياسية ترى العالم كسوق نفوذ مفتوح، لا كمنظومة قواعد.. رؤية لا تختلف كثيرا عن منطق موسكو في أوكرانيا، أو بكين في بحر الصين الجنوبي، الفرق الوحيد أن الغرب كان يدعي عكس ذلك.. كان يرى أن أمريكا حليف وقوة يعتمد عليها إذا ما واجهت أوروبا أي مخاطر، لكن كان لترامب رأي آخر!..
لم تعد تراه “غربا واحدا”
ضربات متتالية، أفقدت الغرب توازنه، وأفقدته مصداقيته أمام العالم، حتى الصين، لم تعد تراه “غربا واحدا”، بل أطرافا متناقضة، وأحيانا متصارعة.. أضف إلى ذلك ازدواجية المعايير التي أفقدت الخطاب الغربي شرعيته، فالضربة القاسمة لم تأت من موسكو أو بكين، بل من سلوك الغرب الانتقائي، والتي ظهرت في الدفاع المطلق عن أوكرانيا باسم السيادة، مقابل صمت أو تبرير أو دعم عسكري مباشر لإسرائيل رغم الحرب على غزة.. ومن ازدواجية الدفاع عن كييف، تأتي جرينلاند أيضا مقابل غزة، كاختبار آخر بمعيارين، فقضية جرينلاند تكشف منطق الغرب حين يهدد من الداخل، بينما تكشف غزة منطقه حين يهدد الخارج.. في الأولى: دعوات للحزم، وزيارات، وقوات، ورسائل سيادة، وفي الثانية: دعوات للتهدئة، وضبط النفس، وحق الدفاع عن النفس لطرف واحد.. هذا التناقض لا يُضعف الغرب أخلاقيا فقط، بل يسرع تفككه الجيوسياسي.
أوروبا لا تزال قوة ضخمة ولكنها بلا مخالب
أما من الناحية الاقتصادية، فأوروبا لا تزال قوة ضخمة، لكنها قوة بلا مخالب؛ تعتمد على السوق الأمريكية، والطاقة المستوردة، وسلاسل التوريد العالمية التي تسيطر عليها قوى أخرى.. ورغم امتلاكها أدوات ضغط هائلة – من التجارة إلى الاستثمار إلى النظام المالي – فإنها نادرا ما تستخدمها كأدوات سيادة، بل كأدوات إدارة أزمة.
ما تحتاجه أوروبا اليوم
فما تحتاجه أوروبا اليوم ليس خطابا أخلاقيا أعلى صوتا، بل سياسة أكثر واقعية؛ توسيع الشراكات خارج الإطار الأطلسي، التعامل بندية مع واشنطن لا بتبعية، الكف عن تصدير القيم دون القدرة على حمايتها، والاعتراف بأن العالم لم يعد ليبراليا، لكنه لم يصبح فوضويا بالكامل بعد.. وخلاصة القول، إن من لا يعيد تعريف نفسه، يُعاد تعريفه.. فالغرب لم يسقط فجأة، لكنه لم يعد كما كان.. فأوروبا، إن لم تعد تعريف دورها، ستتحول من لاعب إلى ساحة.. فإما أن تكون طرفا فاعلا ومؤثرا، أو مجرد ملف على طاولة تفاوض ربما لا تجلس إليها حتى




