كتاب الرأى

الاستقرار بين الإخوة والأحفاد.. تطور الخلافة السعودية عبر عقود

رائد الديب _ كاتب صحفي وباحث سياسي

لحظة مفصلية في تاريخ المملكة العربية السعودية، اغتيال الملك فيصل بن عبدالعزيز عام 1975، لم تكن مفصلية فقط لخطورة الحدث واغتيال الملك حينها، لكنها كشفت بوضوح طبيعة نظام انتقال الحكم داخل الدولة السعودية في تلك المرحلة، وهو نظام قائم على أعراف راسخة أكثر منه نصوصا قانونية مكتوبة.. فعقب اغتيال الملك فيصل، تولى شقيقه الملك خالد بن عبدالعزيز الحكم بصفته ولي العهد آنذاك، في انتقال سريع وسلس للسلطة، يعكس قوة التقاليد المؤسسية غير المكتوبة التي حافظت على استقرار المملكة.

كان الملك فيصل بن عبدالعزيز رمزا للقيادة الحكيمة والشجاعة، وبرز موقفه التاريخي الداعم لمصر خلال حرب أكتوبر 1973، حيث اتخذ قرارا حاسما بمنع تصدير النفط إلى الدول التي دعمت إسرائيل، مؤكدا أن موقف السعودية لن يكون إلا مع الحق العربي.. كما جسد فيصل تضامنا مستمرا مع القضية الفلسطينية، مقدما الدعم السياسي والمالي للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومدافعا عن حقوقه على الساحة الدولية.. سياساته آنذاك لم تكن مجرد رد فعل على الأحداث، بل تعبير عن رؤية استراتيجية ربطت بين الوحدة العربية والقدرة على استخدام الموارد الوطنية في خدمة القضايا العادلة، ما جعله شخصية عربية محترمة ومؤثرة تاريخيا.

وبالعودة إلى انتقال الحكم الذي لم يكن استثناء _ كما يرى البعض أو يعتقد الكثير أن الملك فيصل لم يكن لديه أبناء حينها، بل جاء الانتقال منسجما مع القاعدة التي حكمت السعودية منذ تأسيسها؛ وكانت قائمة على انتقال الحكم أفقيا بين أبناء الملك المؤسس “عبدالعزيز بن سعود”، وليس عموديا من الأب إلى الابن كما هو متعارف.. وهو عكس ما هو متعارف عليه في أسس حكم أي مملكة، بأن يتولى ولي العهد من أبناء الملك بعد وفاة الملك، وإن لم يوجد فينتقل الحكم إلى أخيه.. فرغم أن الملك فيصل كان لديه أبناء بارزون سياسيا وإداريا، من بينهم الأمير سعود الفيصل، والأمير خالد الفيصل، والأمير تركي الفيصل، فإن الحكم لم ينتقل إلى أي منهم؛ لم يكن السبب غياب الورثة أو ضعفهم، بل لأن النظام غير المكتوب للحكم لم يكن يسمح بذلك حينها؛ فانتقال السلطة إلى أبناء فيصل كان سيعد كسرا للتوازن الدقيق داخل الأسرة الحاكمة، وتقديما لفرع بعينه على حساب بقية فروع أبناء عبدالعزيز، وهو ما كانت القيادة السعودية حريصة على تجنبه حفاظا على وحدة البيت السعودي الداخلي.. إلى جانب ذلك، كانت الخبرة عاملا حاسما؛ إذ كان إخوة فيصل يتمتعون بتاريخ طويل في إدارة الدولة ومؤسساتها، بينما كان أبناؤه لا يزالون في مرحلة التدرج السياسي، رغم حضورهم المؤثر لاحقا في مفاصل المملكة.

استمر الحكم بعد الملك فيصل بين إخوته من أبناء الملك عبدالعزيز، بداية بالملك خالد، ثم الملك فهد، فالملك عبدالله، وصولا إلى الملك سلمان _ حفظه الله وأطال في عمره.. ويؤكد هذا التسلسل استمرار قاعدة الحكم بين الإخوة لعقود، باعتبارها الضمانة الأهم للاستقرار الداخلي بالمملكة العربية السعودية _ في تلك المرحلة التاريخية.

لكن يأت هنا سؤال، من يتولي حكم المملكة مع نهاية جيل المؤسسين؟!، ليفرض تحديا جديدا على المملكة، تمثل في ضرورة تنظيم انتقال الحكم إلى جيل الأحفاد دون فتح باب الصراع أو الاجتهاد؛ وهنا جاء التحول المفصلي بإنشاء “هيئة البيعة” عام 2006 في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، كإطار قانوني منظم لعملية الخلافة.

وتتكون هيئة البيعة من أبناء الملك عبدالعزيز أو من يمثل فروعهم من الأحفاد، وتتمثل مهامها الأساسية في تثبيت مبايعة الملك الجديد، والمشاركة في اختيار ولي العهد، والتعامل مع حالات العجز الصحي، إضافة إلى إدارة السيناريوهات الاستثنائية التي قد تهدد استقرار الحكم.. وبذلك، انتقل نظام الخلافة السعودية من الأعراف والتوافقات غير المكتوبة إلى منظومة مؤسسية مقننة.. وفق القوانين المعمول بها حاليا، فإن انتقال الحكم بات واضحا ومحددا.. فعند وفاة الملك، يبايع ولي العهد ملكا تلقائيا دون الحاجة إلى تصويت جديد، ويقتصر دور هيئة البيعة على الإجراء والتثبيت، لا الاختيار.. وبهذا الأساس القانوني، يصبح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز هو الملك المقبل تلقائيا للمملكة بعد عمر طويل للملك سلمان _ حفظه الله وأطال في عمره.

يعكس هذا المسار تطور النظام السياسي السعودي من حكم توافقي داخل جيل الإخوة، إلى حكم عمودي داخل جيل الأحفاد، لكن بضمانات مؤسسية تهدف إلى الاستقرار طويل الأمد.. وفي ظل محيط إقليمي مضطرب، تبدو هيئة البيعة اليوم بمثابة صمام أمان سياسي، صمم لتجنب الفراغ الدستوري، وحماية وحدة الحكم، وإدارة أخطر لحظة في عمر أي دولة: “لحظة انتقال السلطة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى