أسامة حمدي يكتب: مفاوضات الملف النووي وغياب الدور الأوروبي.. هل تقدم طهران تنازلات؟

أيام حاسمة تعيشها منطقة الشرق الأوسط على وقع التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران؛ بعدما ساد التفاؤل في الأوساط السياسية والإعلامية خلال الساعات الأخيرة بعد الإعلان عن عقد مفاوضات مباشرة بين عراقجي وويتكوف في عمان يوم الجمعة المقبل؛ وبرعاية عربية وإسلامية من دول: مصر وتركيا وباكستان وقطر والسعودية والإمارات وسلطنة عمان، عاد التوتر من جديد وذلك على خلفية اعتراض 6 زوارق حربية تابعة للحرس الثوري الإيراني لناقلة نفط أمريكية في مضيق هرمز وطلبوا منها التوقف للخضوع للتفتيش إلا أنها سارعت لمغادرة المضيق ورافقتها سفينة حربية أمريكية، ليعقب الحادث بساعات قليلة إعلان القيادة المركزية الأمريكية إسقاط طائرة مُسيرة إيرانية فوق حاملة الطائرات الأمريكية “إبراهام لينكولن” وزعمت واشنطن أن المُسيرة الإيرانية كانت تقوم بمهام استطلاعية فوق الأسطول الأمريكي وتعاملت بعدوانية فجرى إسقاطها بمقاتلة أمريكية F35.
هذا التوتر غير المسبوق يتزامن مع طلب طهران تغيير مكان وشكل انعقاد المفاوضات المقبلة؛ إذ طلبت نقلها إلى سلطة عمان بدلا من تركيا، فضلا عن جعلها مفاوضات ثنائية بين واشنطن وطهران بدلا من المشاركة الواسعة لدول عربية وإسلامية.
خطورة هذه التطورات المتسارعة أن الطرفين قد ينزلقان إلى حرب مباشرة نتيجة سوء التقدير لنوايا وتحركات الطرف الآخر في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، إذ أن كل طرف يده على الزناد وينتظر أن يطلق عدوه اللدود الرصاصة الأولى ليكون له شرعية الرد والدفاع عن النفس وحماية مصالحه الاستراتيجية في شرق أوسط ملتهب.
ورغم هذه التوترات المتسارعة إلا أن البيت الأبيض أكد أن المفاوضات ستعقد في موعدها ولا إلغاء لها حتى الآن، أما طهران فلم يصدر عنها إعلانا بشأن إلغاء التفاوض، ولذا فإن انعقاد المفاوضات قائم بما يترتب عليها من نتائج مهمة أبرزها وأهمها استبعاد أوروبا تماما من مسألة التفاوض والوساطة مع إيران، وهذا يعني إضعاف للدور الأوروبي أكثر مما كان في الشرق الأوسط، وغياب التأثير في الملف الإيراني، ولعل هذا كان رغبة مشتركة من واشنطن وطهران لإقصاء الأوروبيين من أي أدوار، وبالتالي عدم اقتسام أي مكاسب مع ترامب قد تنجم عن صفقة محتملة مع إيران، وهو ما يعني انفراد أمريكا وحدها بكحكة استثمارات السوق الإيراني.
وفي غياب الدور الأوروبي في الملف النووي الإيراني يبرز دور إقليمي مهم لدول عربية وإسلامية تمسك بزمام المبادرة حفاظا على الأمن الإقليمي وقادرة على صياغة معادلة أمنية إقليمية تجنب المنطقة أتون حرب واسعة، ولاشك أن مصر تتموضع في قلب هذا التكتل العربي الإسلامي الساعي للسلام في منطقتنا العربية.
أما جوهر التفاوض بين واشنطن وطهران وما يمكن أن يقدمه كل طرف من تنازلات حتى يصلا إلى أرضية مشتركة فليزال ذلك قيد التكهن والتوقع مع تضارب الأنباء الواردة من طهران حول إمكانية تجميد التخصيب أو خفض مستواه أو إلغاء المشروع النووي بأكمله أو نقل الـ400 كيلو جرام يورانيوم عالية التخصيب إلى روسيا أو تركيا، كل ذلك يبقى تسريبات لا يمكن الجزم بها في ظل ضبابية المشهد الإقليمي وضغوط التيار المتشدد في إيران.
ما استطيع قوله هو إن المشروع النووي الإيراني هو ورقة تفاوض مهمة لإيران لرفع العقوبات وليس فقط سلاح ردع استراتيجي، وسبق أن جمدت إيران التخصيب في 2003 ضمن الاتفاق مع الترويكا الأوروبية، كما وافقت على نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى تركيا في 2010 بالاتفاق مع تركيا والبرازيل، ما يفتح الباب أمام إمكانية تقديم إيران تنازلات بشأن الملف النووي والمرونة في هذا الملف لإبرام اتفاق يجنبها الحرب ويحافظ على بقاء النظام ويرفع العقوبات عن شعب مثقل بالضغوط الاقتصادية.. وللحديث بقية.


