من إدارة الأزمة إلى صناعة النمو: كيف ينتقل الاقتصاد المصري للمرحلة التالية؟- بقلم محمد اسبتان
قراءة تحليلية متوازنة في مسار الاقتصاد المصري بين إدارة الأزمات وصناعة النمو، وما المطلوب لتحويل الاستقرار إلى نمو اقتصادي مستدام.
لم يكن العقد الأخير سهلًا على الاقتصاد المصري، ولا على اقتصادات العالم عمومًا.. أزمات متلاحقة فرضت نفسها بقوة؛ من جائحة عالمية أربكت الأسواق، إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، ثم حرب أعادت تشكيل خريطة الطاقة والتجارة العالمية، وضغوط تضخمية طالت الجميع دون استثناء، في هذا السياق، لم يكن التحدي الأساسي هو تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بقدر ما كان منع الانهيار والحفاظ على التماسك.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الدولة المصرية نجحت في إدارة أزمة ممتدة، حافظت خلالها على استمرارية الخدمات، وتماسك مؤسسات الدولة، وقدرة الاقتصاد على الصمود رغم ضغوط شديدة على المالية العامة، وسوق النقد، ومستوى معيشة المواطنين، لكن إدارة الأزمة، مهما كانت ضرورية وناجحة، لا يمكن أن تتحول إلى نموذج دائم لإدارة الاقتصاد.
ماذا نعني بإدارة الأزمة؟
إدارة الأزمة تعني استخدام أدوات سريعة وضرورية للتعامل مع الصدمات، مثل تأمين الاحتياجات الأساسية، احتواء التضخم، توفير العملة الأجنبية، والحفاظ على قدر معقول من الاستقرار الاجتماعي، وهي سياسات فرضتها الظروف الاستثنائية، ولم تكن خيارًا ترفيهيًا.
في هذا الإطار، أظهرت الدولة قدرة واضحة على المناورة، وتجنب سيناريوهات أكثر حدة شهدتها دول أخرى، وهو أمر يحسب لها في واحدة من أصعب الفترات اقتصاديًا، غير أن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تمتد هذه المرحلة أكثر مما ينبغي، دون انتقال متوازن إلى سياسات تحفيز النمو.
لماذا لم يتحول التعافي إلى نمو واضح؟
رغم مظاهر الاستقرار النسبي، لم يشعر الاقتصاد بطفرة نمو حقيقية حتى الآن، وهو أمر يمكن تفسيره بعدة عوامل موضوعية، أبرزها أن الإنتاج الحقيقي لم يقفز بالوتيرة المطلوبة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو التصدير، وهي القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة، كما أن الاستثمار، خصوصًا طويل الأجل، ما زال يتسم بالحذر، في ظل حالة عدم اليقين عالميًا، وتقلبات الأسواق، وارتفاع كلفة التمويل، يضاف إلى ذلك أن انتقال آثار الاستقرار المالي إلى الاقتصاد الحقيقي يحتاج وقتًا، وهو تحدٍ تعانيه أغلب الاقتصادات الخارجة من أزمات ممتدة، وليس حالة مصرية فريدة.
بين النقد والاعتراف بالواقع
من المهم هنا التمييز بين النقد المهني والجلد الذاتي، فالحديث عن بطء النمو لا يعني تجاهل الجهود المبذولة، كما أن الاعتراف بنجاح إدارة الأزمة لا يعني الاكتفاء بها، الاقتصاد لا ينمو بالاستقرار وحده، لكنه في الوقت نفسه لا ينمو في بيئة مضطربة، وما تحقق من استقرار يمثل قاعدة يمكن البناء عليها، لا محطة نهائية للتوقف عندها.
ملامح التحول الممكنة
اللمحة الإيجابية في المشهد الحالي أن الأسس متوفرة، وإن كانت بحاجة إلى تفعيل أوسع، فمشروعات البنية التحتية التي أُنجزت خلال السنوات الماضية تمثل قاعدة مهمة يمكن أن تتحول إلى محرك إنتاجي حقيقي، إذا ما ارتبطت بالصناعة، والخدمات، وسلاسل القيمة، وليس بمجرد الإنشاء، كما أن قطاعات مثل السياحة، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والصناعات التصديرية تمتلك فرصًا واعدة، بشرط وجود سياسات مستقرة، وبيئة أعمال تشجع القطاع الخاص على التوسع والاستثمار طويل الأجل.
من إدارة الأزمة إلى صناعة النمو
الانتقال إلى مرحلة صناعة النمو لا يتطلب اختراع حلول جديدة، بقدر ما يتطلب تغيير الأولويات، فالتركيز على جذب الاستثمار المنتج، ودعم الصادرات، وتوفير بيئة تنافسية عادلة، وتعزيز ثقة المستثمر المحلي، هي عناصر أساسية لأي تحول حقيقي، كما أن صناعة النمو تعني الانتقال من الحلول قصيرة الأجل إلى رؤية أطول نفسًا، توازن بين الاستقرار المالي والتحفيز الاقتصادي، وتضع تحسين مستوى معيشة المواطن كهدف نهائي، لا كنتيجة جانبية.
نجح الاقتصاد المصري في عبور مراحل شديدة القسوة، وأثبت قدرة واضحة على إدارة الأزمات، لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا الصمود إلى نمو، والنمو إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، والانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة النمو ليس قفزة مفاجئة، بل مسار تدريجي يحتاج واقعية وصبرًا، ورؤية واضحة لا تكتفي بإطفاء الحرائق، بل تبني اقتصادًا أكثر قدرة على الصمود والنمو معًا.
from-crisis-management-to-growth-egypt



