الرئيسيةكتاب الرأى

المليار يورو لمصر: ماذا يعني التمويل الأوروبي للاقتصاد المصري؟

الأستاذ محمد اسبتان – الكاتب الصحفى بجريدة الأخبار يكتب : “المليار يورو لمصر”: ماذا يعني التمويل الأوروبي للاقتصاد المصري؟

في لحظة اقتصادية دقيقة، جاء إعلان حصول مصر على تمويل أوروبي بقيمة مليار يورو ليحمل دلالات تتجاوز الرقم نفسه فالدعم المالي، في هذه الحالة، لا يمكن فصله عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع، ولا عن التوقيت الذي اختاره الاتحاد الأوروبي لإرسال هذه الرسالة.

الاقتصادات لا تُدار بالأرقام المجردة

الاقتصادات لا تُدار بالأرقام المجردة، بل بقدرتها على قراءة التوقيت، وإدارة الموارد، وتحويل الدعم الخارجي إلى استقرار داخلي مستدام.

لماذا الآن؟.. الدعم الأوروبي لمصر يأتي في ظل متغيرات إقليمية ودولية معقدة، حيث تمثل القاهرة عنصر استقرار محوري في منطقة شديدة الاضطراب. ملفات الهجرة غير الشرعية، وأمن الطاقة، واستقرار شرق المتوسط، وأمن الملاحة الدولية وضعت مصر في موقع الشريك الذي لا يمكن تجاهله.

التمويل الأوروبي لمصر لا يعكس مجاملة سياسية

من هذا المنطلق، فإن التمويل الأوروبي لمصر لا يعكس مجاملة سياسية، بل إدراكًا بأن دعم الاقتصاد المصري هو استثمار في الاستقرار الإقليمي، قبل أن يكون دعمًا ماليًا مباشرًا.

وماذا يعني المليار يورو بالأرقام؟.. بحسابات المال، فإن المليار يورو يعادل نحو 1.08 مليار دولار، وهو رقم محدود إذا ما قورن بحجم الاقتصاد المصري واحتياجاته، الاحتياطي النقدي يدور حول 35 مليار دولار، وخدمة الدين الخارجي تتجاوز 30 مليار دولار سنويًا، وعجز الميزان التجاري يقدَّر بعشرات المليارات سنويًا، بهذه المعايير، لا يمثل التمويل حلًا جذريًا للتحديات الاقتصادية، لكنه يوفر مساحة تنفس مؤقتة، ويبعث بإشارة ثقة للأسواق والمؤسسات الدولية، وهي قيمة لا تقل أهمية عن الرقم ذاته.

القيمة الحقيقية للتمويل لا تتوقف عند حجمه

وما الذي لا يقوله الرقم؟.. القيمة الحقيقية للتمويل لا تتوقف عند حجمه، بل عند طريقة استخدامه، فالسيناريو الأسهل هو توجيه المبلغ لتغطية التزامات عاجلة أو دعم مؤقت للاستقرار النقدي، أما السيناريو الأصعب – والأكثر تأثيرًا – فهو توظيف هذا الدعم ضمن مسار إصلاحي أوسع يستهدف دعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وتقليص الفجوة الدولارية بشكل مستدام، فالاقتصادات لا تنهض بالودائع وحدها، ولا تستقر بالمسكنات المالية.

المليار يورو اختبار ثقة في قدرة الدولة

فأما عن اختبار الثقة، في جوهره، يمثل المليار يورو اختبار ثقة في قدرة الدولة على إدارة الدعم الخارجي بفاعلية، فالدعم الدولي لا يُقاس بتكراره، بل بمدى نجاحه في خلق أثر طويل الأجل يقلل الاعتماد عليه مستقبلًا، فالرهان الحقيقي ليس على التمويل ذاته، بل على ما إذا كان سيتحول إلى نقطة ارتكاز لإصلاحات أعمق، أم يذوب سريعًا في دوامة الالتزامات قصيرة الأجل.

أي الخلاصة، المليار يورو لمصر ليس إنجازًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، ولا عبئًا جديدًا، بل فرصة مشروطة.
إما أن يُستثمر كجزء من رؤية إصلاحية تعزز الإنتاج وتزيد القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، أو يبقى رقمًا عابرًا في مسار اقتصاد ما زال يخوض اختبار التوازن.

التاريخ الاقتصادي لا يتذكر حجم التمويلات

وفي النهاية، لا يتذكر التاريخ الاقتصادي حجم التمويلات، بل يتذكر كيف أُديرت، وما إذا كانت قد صنعت فارقًا حقيقيًا… أم اشترت وقتًا إضافيًا فقط

one-billion-euro-egypt

الأستاذ محمد اسبتان - الكاتب الصحفى بجريدة الأخبار
الأستاذ محمد اسبتان – الكاتب الصحفى بجريدة الأخبار

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى