طاقة

بيزنس الشرق | مصر تبدأ أكبر مسح سيزمي في الصعيد بحثًا عن النفط والغاز.. ماذا يعني قرب ليبيا وتكلفة البحث ومن يدفع الفاتورة؟

تتحرك مصر بخطوات محسوبة لإعادة رسم خريطة الطاقة في جنوب البلاد، بعدما أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية الاتفاق مع شركة «أرديسيس مصر» لتنفيذ مسح سيزمي ثنائي الأبعاد باستخدام تكنولوجيا النودز الأرضية لأول مرة في مناطق من الصعيد، في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وجيوسياسية مهمة، وتفتح الباب أمام احتمالات جديدة لاكتشاف النفط والغاز.

التحرك الجديد لا يقتصر على كونه نشاطًا فنيًا تقليديًا، بل يأتي في توقيت حساس تشهده أسواق الطاقة العالمية، ويضع مناطق مثل غرب أسيوط والداخلة تحت المجهر، خاصة مع قربها الجغرافي والجيولوجي من أحواض نفطية منتجة في ليبيا.

مسح سيزمي غير مسبوق في غرب أسيوط والداخلة

بحسب بيان وزارة البترول، سيتم تنفيذ مسح سيزمي ثنائي الأبعاد بطول 5255 كيلومترًا طوليًا، موزعة على منطقتين رئيسيتين هما الحوض الترسيبي غرب أسيوط والحوض الترسيبي الداخلة بالوادي الجديد، على أن تبدأ أعمال التنفيذ خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

ومن المقرر أن يستغرق المشروع نحو 9 أشهر، تشمل أعمال المسح السيزمي والمعالجة وتفسير البيانات، بما يوفر قاعدة معلومات حديثة تساعد في تقييم فرص الحفر والاستثمار مستقبلًا.

 لماذا غرب أسيوط تحديدًا؟

تُعد منطقة غرب أسيوط جزءًا من نطاق الصحراء الغربية – جنوب الوادي، وتضم طبقات رسوبية تعود إلى العصرين الطباشيري والجوراسي، وهي فترات جيولوجية معروفة عالميًا بقدرتها على تكوين وتخزين النفط والغاز.

وتكتسب المنطقة أهمية إضافية كونها لم تشهد مسوحًا سيزمية حديثة واسعة من قبل، ما يجعلها من المناطق البِكر نسبيًا على خريطة الاستكشاف، ويزيد من احتمالات تحقيق اكتشافات جديدة حال تأكد وجود تراكيب جيولوجية مناسبة.

قرب الصعيد من نفط ليبيا.. صدفة أم امتداد جيولوجي؟

جغرافيًا، تقع مناطق المسح في الصعيد على مسافة تتراوح بين 250 و400 كيلومتر من الحدود الليبية، حيث تفصل نحو 250 إلى 300 كيلومتر فقط بين حوض الداخلة وأحواض نفطية ليبية معروفة، أبرزها حوض الكفرة في جنوب شرق ليبيا.

هذا القرب لا يُعد مجرد عامل مكاني، بل يعكس امتدادًا جيولوجيًا طبيعيًا للأحواض الترسيبية عبر الصحراء الغربية وشمال أفريقيا، وهو ما يفسر اهتمام الدولة بتحديث البيانات السيزمية في هذه المناطق وربطها بالخريطة الإقليمية للطاقة.

 أسعار النفط الليبي تعزز الجدوى الاقتصادية

النفط الليبي المستخرج من المناطق القريبة، خاصة في الجنوب والشرق، يُباع وفقًا للأسعار العالمية، حيث تراوح سعر الخام الليبي خلال الفترات الأخيرة بين 80 و90 دولارًا للبرميل، بحسب نوع الخام وجودته.

وتعني هذه المستويات السعرية أن أي اكتشاف تجاري محتمل في جنوب مصر قد يتمتع بجدوى اقتصادية مرتفعة، خاصة مع انخفاض تكاليف النقل نسبيًا داخل الإقليم.

 من يدفع تكلفة البحث؟ وماذا تتحمل مصر فعليًا؟

واحدة من أكثر النقاط التي تثير اهتمام الرأي العام تتعلق بتكلفة البحث والاستكشاف. ووفق آليات العمل المعمول بها في قطاع البترول المصري، فإن الخزانة العامة للدولة لا تتحمل أعباء مالية مباشرة في مرحلة البحث.

تكلفة تنفيذ المسوح السيزمية في مشروعات مماثلة تتراوح بين 15 و30 مليون دولار، تتحملها بالكامل شركات البحث والاستكشاف المتعاقدة، بينما يقتصر دور الدولة على الإشراف الفني والتنظيمي.

أما في حال الانتقال إلى مرحلة حفر الآبار الاستكشافية، فتتراوح تكلفة البئر الواحدة بين 10 و25 مليون دولار، وتتحملها أيضًا الشركات، ولا تتحمل الدولة أي تكلفة إلا بعد تحقيق اكتشاف تجاري فعلي من خلال نظام تقاسم الإنتاج.

كم الاحتياطي المتوقع لو نجح الاكتشاف؟

تشير بيانات وزارة البترول إلى أن الاكتشافات الأخيرة في الصحراء الغربية ودلتا النيل أضافت نحو 42 مليون برميل من النفط والمكثفات، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

وبناءً على هذه المؤشرات، يقدّر خبراء أن أي اكتشاف تجاري في مناطق الصعيد قد يضيف عشرات الملايين من البراميل إلى الاحتياطي النفطي المصري، مع إمكانية ارتفاع الرقم حال ثبوت وجود امتدادات بترولية واسعة داخل الأحواض الجديدة.

قراءة تحليلية: ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟

اقتصاديًا، يمثل التوسع في الاستكشاف بالصعيد رهانًا منخفض التكلفة وعالي العائد. فالدولة تحصل على بيانات حديثة دون ضغط على الموازنة، وتفتح المجال أمام استثمارات أجنبية جديدة، وتزيد فرص رفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.

كما ينعكس ذلك على تنمية جنوب مصر، عبر خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحفيز الأنشطة اللوجستية والخدمية المرتبطة بصناعة الطاقة.

 بيزنس الشرق: الصعيد يدخل خريطة الطاقة بثقل جديد

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى المسح السيزمي في غرب أسيوط والداخلة باعتباره خطوة فنية فقط، بل هو تحرك استراتيجي يعكس توجه الدولة لتوسيع خريطة الطاقة، واستغلال الامتدادات الجيولوجية المشتركة مع ليبيا، دون تحميل الموازنة أعباء إضافية.

ومع اكتمال أعمال المسح وتحليل البيانات، قد يكون الصعيد على موعد مع دور جديد في معادلة الطاقة المصرية خلال السنوات المقبلة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى