تكنولوجيا وسيارات

جنوب لبنان توازن حساس بين تفاهم نيسان وخريطة المنطقة العازلة الجديدة

يشهد جنوب لبنان اليوم تحولات معقدة تحمل دلالات أمنية وجغرافية تنذر بفصل جديد في تاريخ الصراع بالمنطقة، بعدما شهدت العقود الماضية استقراراً مشوباً بالتوتر عبر تفاهم نيسان 1996. إلا أن المشهد الحالي لا يمثل مجرد إعادة تكرار لقواعد الاشتباك السابقة، بل يظهر محاولة إسرائيلية رسم واقع أمني جديد، يهدف لفرض مناطق عازلة تتجاوز الاتفاقات التي كانت قائمة خلال التسعينيات.

تفاهم نيسان 1996: تنظيم الاشتباك وتأمين الجنوب اللبناني

جاء تفاهم نيسان إثر العدوان الإسرائيلي المعروف بـ”عناقيد الغضب” في نيسان 1996، والذي سلّط الضوء على المجازر، خاصة مجزرة قانا، ما أثار ضغوطاً دولية لوقف النار. لم يكن التفاهم معاهدة سلام، بل قواعد لتنظيم الاشتباك وضمان حماية المدنيين، مع الاعتراف الفعلي بوجود مقاومة داخل الأراضي اللبنانية، مقابل تقييد الرد الإسرائيلي ضد القرى، وهو ما أسس معادلة ردع سمحت ببقاء المقاومة واستنزاف الاحتلال إلى أن انسحب عام 2000.

التحديات الراهنة: مشروع المنطقة العازلة وتحول ميداني جذري

اليوم، يختلف المشهد بشكل جذري، حيث تسعى إسرائيل لفرض “منطقة أمنية” تمتد من الناقورة إلى جبل دوف، بشريط عازل يعزل السكان ويخضع لسيطرة نارية مباشرة، ما يعيد إلى الأذهان مشاريع الأحزمة الأمنية السابقة. هذا الطرح يرتكز على منع عودة الأهالي إلى قرى الحدود واعتبار أي تحرك فيها تهديداً أمنياً، مدعوماً بعمليات تدمير مستمرة، بهدف تحويل الجنوب إلى منطقة مراقبة محكمة بالنار، تمنع تواجد المقاومة العسكري.

المقاومة والردع: موقف ثابت وشروط ثابتة للتسوية

يرفض اللبنانيون عامة والمقاومة خاصة هذه المشاريع، إذ لا يمكن لأي منطقة عازلة أن تستقر دون غطاء داخلي ودولي، كما أن الاحتلال يولّد مقاومة دائمة تؤكد أن الجنوب جبهة مفتوحة للاستنزاف. تتمسك المقاومة بشروطها الأساسية، وهي وقف شامل لإطلاق النار، انسحاب القوات الإسرائيلية، عودة الأهالي إلى قراهم، إطلاق الأسرى، والشروع في إعادة الإعمار، مؤكدين أن التهدئة لا يمكن أن تتحول إلى منصة لفرض وقائع استراتيجية جديدة.

مستقبل الجنوب: هشاشة مستدامة وحاجة لتوازن سياسي وميداني

المشهد الحالي يحمل تأرجحاً بين حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية من جهة، ورفض المقاومة وتثبيتها لمعادلة الردع من جهة أخرى، ما يزرع احتمالات تصعيد مفتوحة بين استهدافات محدودة أو مواجهة أوسع، وسط إدراك أن الحروب المستمرة تتحول إلى استنزاف طويل الأمد. يبقى مستقبل الجنوب مرهوناً بميزان القوى الميداني، قدرة لبنان على حماية سيادته، واستعداد الأطراف الإقليمية والدولية لمنع انزلاق الصراع إلى حرب مفتوحة، مما يتطلب حواراً بناءً لحفظ الأمن والاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى